معلومة جديدة.. في 5 دقائق

عقدة الإله من الآلة (Deus Ex Machina): لماذا ننتظر المعجزة بدلاً من البدء؟

A king prays for divine intervention, a Deus Ex Machina, as his city burns and a crane looms.

عقدة “الإله من الآلة”: لماذا ننتظر المعجزة بدلاً من البدء؟

كريون لم يكن ملكاً سيئاً. كان ملكاً وجد نفسه في قدر أكبر منه.

تحالف أعدائه، وجمعتهم المصالح على حدود مدينته. طالت الحرب، والخزينة فرغت. وكأن المصائب تأبى أن تشعر بالوحدة، فزادته بحرق المحاصيل قبل الحصاد…

أما المدينة، وبرغم تحصينها، نجح الخوف بالتسلل إليها وأصاب قلوب سكانها. بدأ الناس يتساءلون بصوت مرتفع عما إذا كانت الآلهة قد تخلّت عن المدينة وكتب عليها الدمار، عن سكانها لكثرة عصاياهم، أم عن ملكها تحديداً.

لكن كريون لم يكن قائداً سيئاً. كان شجاعاً، تحالفت ضده الكوارث.

قاتل كريون في كل جبهة يعرفها. أرسل المبعوثين بحثاً عن مدد، أو للتوصل لحل، أعاد توزيع المؤن، أقام التحصينات بما تبقى من رجال، وحتى النساء وقفن يحمين مدينتهن كتفاً بكتف مع كل رجل مقاتل. وقف كل صباح أمام خرائطه يبحث عن الثغرة التي تقلب الموازين. لكن الخرائط لم تتغير… والثغرة لم تظهر… وكل حل توصّل إليه كشف عن مشكلة جديدة خلفه، كأنه يحفر في رمال.

كريون لم رجلاً سيئاً.. هو فقط سيء الحظ، حقاً.

في ليلة بدت فيها الهزيمة أقرب من الفجر، صعد كبير الكهنة المذبح وأشعل النار، وأعلن بصوت يملأ الساحة أن الآلهة لم تتخلَّ، وأن الحل آتٍ. أن السماء ستفتح. والفرج سيسبق رد البصر.

توقف الجميع، في أمل أطل باستحياء من أعين منهكة.

المقاتلون أسندوا رماحهم. النساء أمسكن أطفالهن. وكريون نفسه، الذي لم يركع منذ سنوات، وجد نفسه يرفع نظره إلى السماء مع الجميع. في خوف مما مرّ. وترقب لما سيأتي. وشيء آخر لم يُسمِّه… ارتياح خفي أن القرار لم يعد في يديه… الحل، هناك…

تعالى صرير الرافعة الضخمة فوق خشبة المسرح، كأن السماوات نفسها تنفتح مؤذنة بالفرج السماوي. اقتربت… واتسعت الأعين في انبهار… ثم في صدمة…

الرافعة كانت خاوية.

التفت كريون في تساؤل وحيرة إلى كبير الكهنة، فقال الكاهن في هدوء المطمئن:

“الإله أنزل عليك الحل. فلا حاجة لينزل بنفسه.”

أصل الحكاية: الإله من الآلة في المسرح اليوناني

في الحقيقة، بدأت هذه المقالة كفكرة في وقت حزن وألم. في وقت الشدة، أول ما نفكر فيه هو الهروب.. الهروب من الألم والهروب من الذات.

وأعلم جيداً أن الهرب لن يحل شيئاًـ والحل الحقيقي يكمن في مواجهة الذات واقتحام حصون المعضلة، أو على الأقل تثبت في مكانك وتواجه العاصفة. فجلست، وكتبت، وواجهت أفكاري وبناتها.. ونشرت المقال أولاً على X (تويتر)، لعله يصل لمن يحتاج رسالة الدعم هذه المغلفة في مواجهة مخاوفنا.

ولكي نفهم أكثر الخلفية المبني عليها المقال، نعود قليلاً إلى المسرح ورواية القصة في مسارح الإغريق، حين تستعصي العقدة على الحل، ويسود الظلام الأرض، ويقارب البطل على الهلاك، كانوا يُنزلون إلهاً حرفياً “بشكل مجازي طبعاً” من السقف على رافعة ليُنهي المأساة. سمّوا هذه اللحظة: الإله من الآلة. وكان الجمهور يعرف أنها الحيلة الأخيرة، حين يعجز المؤلف عن إيجاد مخرج حقيقي.

عاشت الحضارة اليونانية مئات السنين، وانتهت، وتحولت المنطقة إلى دول عدة بعضها اندثر، لكن الرافعة لم تمت. نقلناها من المسرح إلى داخلنا، وجلسنا تحتها ننظر إليها وننتظر.

علم النفس والرافعة: لماذا نختار الجمود؟

علم النفس يُسمّي هذا بأسماء مختلفة، لكنه في جوهره شيء واحد: الانتظار أكثر أماناً من المحاولة.

لأن من لم يحاول بعد، لم يفشل بعد. والإنسان يتحمّل كثيراً من الألم، لكنه يخشى شيئاً واحداً فوق كل شيء: أن يُثبت لنفسه أنه حاول بكل ما عنده، ولم يكن كافياً. هذا الخوف بالذات هو ما يجعل الانتظار لا يبدو جبناً، بل يبدو حكمةً، وتريّثاً، وانتظاراً للظرف المناسب. فعلى الأقل “هناك حل ما لم أجربه بعد”. هذا المجهول يعطيه الأمل. أمل سكان المدينة وكريون نفسه في أن الحل آت.

الرافعة إذن ليست كسلاً. هي درع. نصنعها من أي مادة متاحة: ظروف اقتصادية، علاقات معقدة، صحة متذبذبة، عالم غير مستقر. نُعلّق عليها كل شيء يجعل البداية مستحيلة الآن، ونؤجل اللحظة التي سنُثبت فيها لأنفسنا من نحن فعلاً.

ثمن الانتظار: كيف تصبح غريباً عن نفسك؟

لا بد أنك تراه الآن. يجلس في مكانه ذاته منذ أشهر. المشروع مفتوح على شاشته، أو مكتوب في دفتر لم يُفتح، أو حي فقط في جملة يكررها: “بس لما…”

بس لما يتحسن الوضع. بس لما أتجاوز هذه الفترة. بس لما يتغير الناس من حولي، وتستقر الأمور، وأجد الوقت الكافي، والطاقة الكافية، والظرف المناسب الذي لم يأتِ منذ سنوات، ولن يأتي.

لا يشعر بالكسل. يشعر بأنه ينتظر شيئاً حقيقياً. والفرق بين الاثنين هو بالضبط ما تفعله الرافعة ، تجعل الجمود يبدو معقولاً.

والثمن؟ الثمن ليس الوقت فقط، رغم أن الوقت يمضي. الثمن هو أنك تصبح غريباً عن نفسك تدريجياً. كل يوم تؤجل فيه شيئاً تعرف أنه لك، تزداد المسافة بينك وبينه، وتصبح العودة إليه أصعب، وتصبح الحجة أقوى.

حتى تصل إلى لحظة لا تتذكر فيها إن كنت تنتظر الظرف المناسب، أم تنتظر أن تنسى أنك كنت تريد شيئاً من الأصل.

يمكنك انتظار عودة المسيح، خروج المهدي ومبايعته عند الركن اليماني، أو كائنات رمادية بعينين سوداوين كبيرتين تحملهم مركبات عبر الزمكان لإنقاذك.. ربما يحدث كل هذا فعلاً. لكن أياً من هذا لن يحرك مشاكلك نحو الحل… لن يحلها إلا أن تواجه نفسك أولاً، وتحل المشكلة جزءاً صغيراً في كل مرة.. فالمساعدة لن تأتي…

حتى من طبيب نفسي، الذي عندما تحدثه عن مشاكلك وكيف تحلها وحيرتك، سيسألك: “قل لي، ما هو رأيك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *